التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كيف تستدعي وحي القلم؟



*نُشر على فاصلة 2017 

مشكلة الكتاب -الناشئين خاصة- الأساسية هي حضور الوحي أو الإلهام الذي يغذي أقلامهم.

لهذا نجد أنفسنا أحيانا كثيرة متكاسلين عن الكتابة رغم أنها شغف يسكننا.

ولهذا السبب أيضا يستسلم كثير منا، ويعتبرها محض حالة من حالات الوحي، التي لا نستدعيها، بل تأتي بنفسها في الوقت الذي تراه مناسبا، فنصير لها عبيدًا، في انتظار تلك اللحظة! تلك اللحظة التي قد تتأخر، وقد تأتي في أوقات غير مناسبة، بل إنها قد لا تأتي إلا في العام مرة واحدة، فهل نترك العمل بما نحب (الكتابة) في انتظار الوحي، أو الإلهام؟

لا بالطبع، إن كان طموحك هو أن تصبح كاتبا، فعليك أن تكون أنت سيد وحيك، لكن كيف؟

1- أولا، عليك أن تنسى فكرتك عن الوحي أو الالهام تماما، فالكتابة فعل ممارسة، الكتابة فعل تراكمي كالقراءة تماما، كلما كتبت أكثر، أخطأت أكثر، كلما تحسنت كتابتك أكثر.
*****
2- تأمل في أحاديث أصدقائك، تأمل حتى في أحاديث من يقف إلى جوارك في الطابور (كطابور المصرف مثلا –هذه لليبيين)، فالأفكار والأمور التي تستحق الكتابة عنها لا تنتهي، وإياك أن تعتقد بأن من سبقوك قد استنزفوا المخزون الموضوعي، فالكتابة بحر لا قرار له، كأي فن أو علم آخر.
*****
3- غذِّ قلمك بحبر القراءة والبحث، إبحث عن كل موضوع أو فكرة تمر عليك، إن قرأت رواية تطرقتْ لذكر شخصيات تاريخية أو معالم أثرية فابحث عنها فورا، إقرأ في التاريخ والفنون والعلوم، إقرأ في كل مجالات الحياة، فالكتابة حياة موازية لحياتنا التي نعيشها إن لم تكن متداخلة معها، ويدخل فيها شتى مظاهر الحياة الإنسانية (والحيوانية).
*****
4- أنشر كتاباتك، ولا تخجل من ذلك، فمهما كان سوءها لن تقتل من يقرأها، وبناء على استجابة القراء ستعرف نقاط قوتك ونقاط ضعفك، وإن كنت تخجل من النشر أمام الجمهور فانشرها ولو على نطاق أسرتك وأصدقائك.
*****
5- توقف عن رمي أو إحراق ما تكتبه، فما تراه سخيفا اليوم، قد يكون انطلاقتك لاحقا، ومع قليل -أو كثير- من التعديلات قد تصبح تلك الترهات مشروع قصة/رواية/كتاب ينطلق بك إلى مصاف الكتاب ذوي الكتب الأكثر مبيعا.
*****
6- إقرأ سِيَر كتابك المفضلين، تابع أخبارهم، إتبع نصائحهم إن وجدت لهم مادة يتحدثون فيها عن فعل الكتابة. كل هذا من شأنه أن يغذيك حماسة وإصرارا على المضي قدما في جنونك الجميل.
*****
7- وأخيرا وليس آخرا، وهنا مربط الفرس:

إنخرط في تجمعات لكُتاب مثلك، سواء هواة او محترفين، في عالم وورد برس او الفيسبوك أو أيا كان موقعك المفضل، شاركهم هواجسك ستجد انهم يعانون ما تعانيه بالضبط، ولا بد لهذا من أن يشعرك بالارتياح، ثق بي، هذا ما حدث لي، كلما غرقت في بحر الكتابة أكثر كلما تعرفت أكثر على اللؤلؤ المدفون في القاع. كما وأن انخراطك في مثل هكذا تجمعات سيشعرك بأمرين قد يبدوان مزعجين للوهلة الأولى:

* أولا ستشعر بالغيرة، والغيرة في الكتابة هي غيرة محمودة لأنها تستفزك كي لا تتوقف، والغيرة هنا لا علاقة لها بالحسد انتبه بارك الله فيك. 

* ثانيا ستشعر بأنك ملتزم تجاه ذلك المجتمع بمادة تعودوها منك، ملتزم تجاه كل من شجعك، لن يهون عليك أن تتوقف وتخذلهم.


ثم هناك أمر أخير أرغب في قوله:

إن لم تجدِ معك كل النصائح التي كُتبتْ أعلاه نفعًا، فلربما لستَ للكتابة، وليستْ الكتابة لك، مافيش نصيب يعني !

دمتم كاتبين ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في هجاء القُرّاء!

 نتّفق عامّةً أن القارئ لا يُدعى قارئًا إلا بملازمته للكتب، بحثه عنها وحرصه على اقتنائها، هذا يفضي إلى علاقة تشبه الصداقة، تنشأ بين القارئ والكتاب، وكما قيل: خير جليس في الزمان كتابٌ. الكتاب ينفع القارئ ولا بُدّ، يقدّم له خدمة جليلة، حتى إن كان كتابًا تافهًا، فهو على الأقل يعلّم القارئ؛ معنى أن تكون الكتابة سطحيّةً أو مبتذلةً!  فهل في المقابل، ينفع القارئ كتابًا يقرأه؟ هذا ما لا يحدث بالضرورة، أحيانًا، عن عمدٍ أو بغير عمد، يؤذي القارئ كتابًا قرأه، ولن أتطرق هنا عن وصول هذه الأذيّة إلى مؤلف الكتاب نفسه، سنحسن الظنّ، ونتجنب الخوض في "شخصنة" العلاقة بين الكاتب والقارئ، تلك العلاقة التي يكون الكتاب فيها هو الوسيط. طرحتُ سؤالا عبر صفحتي على الفيسبوك: متى يصبح القارئ عدوًّا للكتاب؟ كانت معظم الإجابات تجيب عن سؤال آخر: كيف يصنع الكاتبُ أعداءً لكتبه؟ إذ صبّت في خانة وضع اللوم على الكاتب، ولكني كنت أعني العلاقة المباشرة بين القارئ والكتاب، سواء نجح الكاتب في إيصال فكرته أو لم ينجح، متى يضرّ القارئُ الكتابَ الذي قرأه؟ دعنا من كون بعض الكتب بالغة السطحية، أو بالغة السذاجة او التحيّز أو ...

الجوائز الأدبية: شرّ لا بُدّ منه

  نحن لا نكتب لأنفسنا، علينا أولا أن نقرّ بهذه الحقيقة قبل أن ننتقل للأخرى، ولو كنا نفعل، لاحتفظنا بما نكتبه في خزائننا السرية، أو ألقينا به في أول سلة مهملات، على اعتبارنا أفرغنا ما في جعبتنا ووصلنا لمرحلة الارتياح. الكتابة للذات هي بوحٌ، لا نسعى لأن يقرأه غيرنا، بل ربما لهذا السبب نخفيه، أو نحرقه. أما الكتابة للأدب، كتابة مسؤولة، حتى إن كنت تكتب للترفيه، ثمة شعور بالمسؤولية، بالرغبة المُلحّة في مشاركة أحلام يقظتك، وهلاوسك، وأفكارك التي تعتقد أنها قد تغيّر قليلا من فهمك للعالم، أو فهم العالم لك ولأمثالك. قبل النشر الورقي خضوعًا لهذه الرغبة ننشر على السوشال ميديا وفي المدونات ونُلحّ في نشر ما نكتبه، نُلحّ في عرضه على قراء محتملين، ونرتكب بعض الحماقات، فنعرض ما كتبناه على كُتّاب محترفين، نعرف جيدًا أنهم لن يجدوا وقتًا يجازفون به على مخطوطاتنا التي على الأرجح لن تكون قد تحصلت بعد على اعتراف إحدى دور النشر. والمجتمع الأدبي، أو فلنتوسع ولنقل المجتمع الثقافي (مع تحفظي)، لن يعترف بك ما لم تعترف بك دار نشر ذات سمعة لها شنة ورنة. ودار النشر لن تقبل مخطوطتك، لأنها لم تعجبهم، ولكنهم سيخبرونك...

رسالة السيدة "لا شيء"

  وعي المرأة بدورها في المجتمع، يخضع بصورة شبه دوريّة، لحركة تشبه المدّ والجزر. وبين ما ينبغي أن تكون عليه المرأة وبين ما لا ينبغي عليها أن تكونه، ذاك الصراع الذي تشكل في معظمه من أفكار هي في الغالب متطرفة، يُلاحظ أن السمة العامة تقترب في كل جيل نحو أحد الطرفين. في قراءة لكتاب "اللغز الأنثوي"، من تأليف بيتي فريدان، الصادر مطلع ستينيات القرن الماضي، أثار اهتمامي حالة عدم الرضا واليأس التي سيطرت على ربات البيوت في الولايات المتحدة، بعد رحلة من الصراع النسوي، ونيل النساء كثير من الحقوق التي طالبن بها في عقود سابقة. ما حدث أمر يشبه الردّة، ففي مقابل الحركة النسوية التي دعت النساء للانخراط في سوق العمل أسوة بالرجال، تكوّنت حالة جزر، قرّرتْ فيها النساء العودة للبيوت ورعاية الأطفال، فترة إعداد الكتاب كانت الفترة التي أعقبت هذا القرار الجماعي، عندما بدأت النساء -من جديد- تتذمّر من كونها لا تعرف نفسها. وكانت بيتي فريدان إحدى هؤلاء، وأربكها كونها لم تعرف نفسها: أهي ربة بيت أم كاتبة؟ وهل الكتابة عمل حقيقي؟ بعض النساء ربات بيوت برغباتها المحضة، وبعضهنّ مضطرات لتحريمات دينية أو عرفية ل...