التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجهول الهوية


 

*نُشرت على فاصلة 2018

"5 جثث مجهولة الهوية في مركز طرابلس الطبي، على من يتعرف عليهم أن يأتي حالا للمستشفى"، فوجئ ابني الذي لم ينهِ امتحان الدور الثاني للشهادة الإعدادية بهذا الإعلان، ووجه أخيه الأكبر من بين صور الجثث. ابني البكر، قرة عيني ومهجة فؤادي، بطل من أبطال الكتيبة التي انضمّ إليها منذ عامين، ها هو جثة هامدة.

لا كلمات تستوعب صدمة رؤيتنا للإعلان حينها، شلل أصابني لمدة غير معلومة من الوقت، ثم تبادلت ووالده اللوم والشتائم بسبب الفاجعة، قمنا بلعن الأمر الواقع والظروف التي أغرته بالانضمام للكتيبة، أراد الزواج فقط لا غير، ولم نملك ما نزوجه به، أثار انضمامه حفيظتنا في البداية، ولكننا نسينا السبب الرئيسي عندما عشنا عز الألوفات الشهريّة مقابل دوريّة واحدة أو اثنتين، ولم نعد نعاني شح السيولة، وأصبح لدينا سيارتان وثلاثة بعد أن كنا لا نستعمل إلا "الإفيكو" و"البيجو"، لم نتعرف على خدمات البطاقات المصرفية التي يشكو منها الناس، لم نهتم بمنحة أرباب الأسر، فقد صار ابننا البكر هو رب الأسرة ومنقذنا من الفقر الذي اجتاح الجميع … الجميع فيما عدا من انضم للكتائب أو وجد طريقة أخرى لكسب الرزق بمعجزة! 

ابننا نسي بدوره أمر زواجه، وانغمس معنا في "العز"، اشترينا بيتًا جديدًا بأثاث عصري في منطقة من أرقى مناطق مدينتنا، ولم نأبه بنفور بعض الجيران منّا بعد رؤية ابني يحمل سلاحًا مرة وهو يرتدي "شبشب صبع" و"كانتيرا"، لقد استيقظ من نومه يومها وانطلق مسرعًا لدوريته لا مباليا بكلام الناس عنه. أما البعض الآخر من الجيران فقد أسعدتهم جيرتنا كما بدا لي، باتت النساء تتقرب إليّ، ظننت لوهلة أنهن يتقربن إليّ لتزويج ابني لإحدى بناتهن؛ ولكن اتضح لي لاحقًا أن طموحاتهن لا تتعدى استخراج مرتبات أزواجهن الشهرية المحجوزة في المصارف … غاب ابني الآن وغابت الجارات… ولا واحدة منهن واستني في وفاته، وهو من كان يأتيهم بالمرتبات!

بل كان من الوقاحة من إحدى أقاربي أن تدّعي أن "الرحمة لا تجوز" عليه! إن كان ابني حقًّا لا يستحق "الرحمة"، فلماذا كنتم تتقربون إليه؟ لم سعيتم لإغرائه بهالة من "السلطة" ودعمه ولو بشكل غير مباشر للاستمرار في عمله بالكتيبة؟ ألم يسترجع لبعضكم سياراته المنهوبة؟ ألم يكن يساعدكم في تجنّب المبيت أمام المصارف؟ أم أنكم نسيتم كل هذا بسبب "ميم طاء" قادها ليحارب بها "البرانية"؟ ألم تبالوا بدفعه الثمن؟ أم أن حجّتكم أننا كعائلة قمنا بقبول عمله؟! لكنني والدته، ومن واجبي دعمه للقيام بما يحب، وهو أحب أن يتزوّج، فقط أن يتزوّج!

أعترف أن ضميري يؤنبني، كان ينبغي لي عدم السماح له بالالتحاق بكتيبته في هذه الحرب، كان علي حبسه إلى جواري، حتى تنقضي، ولا بأس لو استمر في عمله في الدوريات فيما بعد؛ لكنه ما كان ليطاوعني؛ المغريات كثيرة، "عز" أكثر، ومال أكثر… لو أن ذلك قد حدث، لما كان ولدي ضحى بحياته من أجل حياتنا الكريمة.

مساء الأمس، اكتشفتُ أن طفلي الذي فاته امتحانه واجتاحه الاكتئاب لأيام بعد رحيل شقيقه، قد قرر الالتحاق بركب أخيه، لا أعلم هل يفعل ذلك كي لا ينقصنا شيء بعد "استشهاد" من يعيلنا ويبذخ علينا، أم أن الرغبة في الانتقام هي دافعه.

أيًّا كان ذلك الدافع، فقد عاد القادة لعوائلهم، عادوا بدباباتهم ومدافعهم وصواريخهم، عادوا لبيوتهم وقصورهم وسياراتهم الفارهة، بعضهم ربما عاد إلى "تركيا" هناك حيث يقيم؛ ولكنهم لم يعودوا لي بجثة ابني، ظلت مرمية على قارعة الطريق، على قارعة الحرب والنضال، حتى تعرفنا إليه صدفة عبر شاشات الهواتف الذكية؛ لهذا، تناولت "كلاشن" شقيقه الراحل، وقفت أمامه أسدّ عليه "كنشيلو" الفيلا، صرختُ في وجهه: "لن أسمح لك ان تكون مجرد جثة مجهولة الهوية أخرى".

|| حقوق الصورة لـ >> ساسي حريب Sasi Harib 
|| الصورة لا تمت للقصة بصِلة .. مجرّد عنصر فنّي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في هجاء القُرّاء!

 نتّفق عامّةً أن القارئ لا يُدعى قارئًا إلا بملازمته للكتب، بحثه عنها وحرصه على اقتنائها، هذا يفضي إلى علاقة تشبه الصداقة، تنشأ بين القارئ والكتاب، وكما قيل: خير جليس في الزمان كتابٌ. الكتاب ينفع القارئ ولا بُدّ، يقدّم له خدمة جليلة، حتى إن كان كتابًا تافهًا، فهو على الأقل يعلّم القارئ؛ معنى أن تكون الكتابة سطحيّةً أو مبتذلةً!  فهل في المقابل، ينفع القارئ كتابًا يقرأه؟ هذا ما لا يحدث بالضرورة، أحيانًا، عن عمدٍ أو بغير عمد، يؤذي القارئ كتابًا قرأه، ولن أتطرق هنا عن وصول هذه الأذيّة إلى مؤلف الكتاب نفسه، سنحسن الظنّ، ونتجنب الخوض في "شخصنة" العلاقة بين الكاتب والقارئ، تلك العلاقة التي يكون الكتاب فيها هو الوسيط. طرحتُ سؤالا عبر صفحتي على الفيسبوك: متى يصبح القارئ عدوًّا للكتاب؟ كانت معظم الإجابات تجيب عن سؤال آخر: كيف يصنع الكاتبُ أعداءً لكتبه؟ إذ صبّت في خانة وضع اللوم على الكاتب، ولكني كنت أعني العلاقة المباشرة بين القارئ والكتاب، سواء نجح الكاتب في إيصال فكرته أو لم ينجح، متى يضرّ القارئُ الكتابَ الذي قرأه؟ دعنا من كون بعض الكتب بالغة السطحية، أو بالغة السذاجة او التحيّز أو ...

الجوائز الأدبية: شرّ لا بُدّ منه

  نحن لا نكتب لأنفسنا، علينا أولا أن نقرّ بهذه الحقيقة قبل أن ننتقل للأخرى، ولو كنا نفعل، لاحتفظنا بما نكتبه في خزائننا السرية، أو ألقينا به في أول سلة مهملات، على اعتبارنا أفرغنا ما في جعبتنا ووصلنا لمرحلة الارتياح. الكتابة للذات هي بوحٌ، لا نسعى لأن يقرأه غيرنا، بل ربما لهذا السبب نخفيه، أو نحرقه. أما الكتابة للأدب، كتابة مسؤولة، حتى إن كنت تكتب للترفيه، ثمة شعور بالمسؤولية، بالرغبة المُلحّة في مشاركة أحلام يقظتك، وهلاوسك، وأفكارك التي تعتقد أنها قد تغيّر قليلا من فهمك للعالم، أو فهم العالم لك ولأمثالك. قبل النشر الورقي خضوعًا لهذه الرغبة ننشر على السوشال ميديا وفي المدونات ونُلحّ في نشر ما نكتبه، نُلحّ في عرضه على قراء محتملين، ونرتكب بعض الحماقات، فنعرض ما كتبناه على كُتّاب محترفين، نعرف جيدًا أنهم لن يجدوا وقتًا يجازفون به على مخطوطاتنا التي على الأرجح لن تكون قد تحصلت بعد على اعتراف إحدى دور النشر. والمجتمع الأدبي، أو فلنتوسع ولنقل المجتمع الثقافي (مع تحفظي)، لن يعترف بك ما لم تعترف بك دار نشر ذات سمعة لها شنة ورنة. ودار النشر لن تقبل مخطوطتك، لأنها لم تعجبهم، ولكنهم سيخبرونك...

رسالة السيدة "لا شيء"

  وعي المرأة بدورها في المجتمع، يخضع بصورة شبه دوريّة، لحركة تشبه المدّ والجزر. وبين ما ينبغي أن تكون عليه المرأة وبين ما لا ينبغي عليها أن تكونه، ذاك الصراع الذي تشكل في معظمه من أفكار هي في الغالب متطرفة، يُلاحظ أن السمة العامة تقترب في كل جيل نحو أحد الطرفين. في قراءة لكتاب "اللغز الأنثوي"، من تأليف بيتي فريدان، الصادر مطلع ستينيات القرن الماضي، أثار اهتمامي حالة عدم الرضا واليأس التي سيطرت على ربات البيوت في الولايات المتحدة، بعد رحلة من الصراع النسوي، ونيل النساء كثير من الحقوق التي طالبن بها في عقود سابقة. ما حدث أمر يشبه الردّة، ففي مقابل الحركة النسوية التي دعت النساء للانخراط في سوق العمل أسوة بالرجال، تكوّنت حالة جزر، قرّرتْ فيها النساء العودة للبيوت ورعاية الأطفال، فترة إعداد الكتاب كانت الفترة التي أعقبت هذا القرار الجماعي، عندما بدأت النساء -من جديد- تتذمّر من كونها لا تعرف نفسها. وكانت بيتي فريدان إحدى هؤلاء، وأربكها كونها لم تعرف نفسها: أهي ربة بيت أم كاتبة؟ وهل الكتابة عمل حقيقي؟ بعض النساء ربات بيوت برغباتها المحضة، وبعضهنّ مضطرات لتحريمات دينية أو عرفية ل...