التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفن والخبز: هل يجتمعان؟

 


*نُشر على موقع "هنا ليبيا"، 2020

“الفنّ يغسل عن الروح، غبارَ الحياة اليوميَة” – بابلو بيكاسو.

والغبار في بلادنا، لا يقتصر على ما تلقيه الحياة في وجوهنا من مصاعب ومتاعب، بل يتعدّى ذلك إلى غبار البارود ورماد الحرائق؛ ولكننا رغم هذا، وبدل أن نقتات بالفنّ في مواجهة جوعنا إلى الجمال والسلام، لا نرى فيه إلا هواية للمتفرّغين، ولا نعترف بجماله إلا إن كان مجّانيًّا، ولا نصنّفه إلا ترفًا لا ينبغي تبذير الأموال لأجله! فنرى فنّانين دفنوا مواهبهم لقناعتهم التامّة بأنها لن تطعمهم خُبزًا.

فما هو رأي الفنّانين المتمسّكين بفنّهم، المُطالَبين أحيانا بتقديمه مجّانًا؛ وكأنه أمرٌ مفروغٌ منه؟

وما وجهة نظرهم في الأسباب الكامنة وراء هذه النظرة الدونية للفنّ، رغم عشق العين أو الأذن إليه؟!

الفنّان في مجتمعنا: درويش جائع (شكري الميدي)

عن تجربته، يقول شكري الميدي أجي (روائي ليبي شاب):

“مع إعلان صدور الكتاب، يتوقع الأصدقاء نسخاً مجانية، بالنسبة للبعض هذا دليل على الصداقة“

وهذا ما يدفعه كثيرًا للشرح، بأنّ الكتاب سلعة كأيّ سلعة أخرى، “هل تذهب إلى الصيدلي وتطلب منه الدواء مجاناً؟”، سؤالٌ يبدو إجابة أكثر من كونه سؤالا، يوجّهه شكري للمطالبين بالنسخ المجانية، وهو بصفته كاتبا يسعى إلى تسويق كتبه؛ يحرص على منح تلك النسخ المجّانيّة للمؤسّسات أو الأفراد الذين سيُساعدونه في نشر الكتاب، بالدعاية أو كتابة المراجعات الصادقة.

وعن أسباب أزمة تقبّل المجتمع للفنّ مصدرًا للدخل، يقول:

“تعاملنا دوما مع الفنون كهواية، لم تكن مادة أساسية في أي سنة دراسية، بالتالي لم تشكل تحدّيا، ولم نعرف أيّ فنان عاش حياة مختلفة عن الصورة النمطية للفنان الدرويش الطيب، المنعزل والزاهد بكبرياء حد الجوع”

“هذه الصورة التي نشأ عليها كلّ ليبي، حتى أصبح الفنان الذي يهتمّ بالمال يعتبر مزيّفاً ومدّعيا؛ وهذا مرتبط أيضا باعتبارهم للفن كفعل سهل، خاضع فقط للإلهام، غير متعب، ولا حاجة للناس به، يمكن للجميع العيش من دون معرفة رامبرانت مثلاً، ولا قراءة شيكسبير. منذ الصغر يعرف الليبييون أن أبناءهم يريدون أن يصبحوا أطباء ومهندسين، لأسباب نفعية لا يريد أحد أن يمتهن أبناؤه الفنون.”

الفنون تُعاش ولا تُدرّس (نجلاء الفيتوري)

أمّا نجلاء شوكت الفيتوري (فنانة تشكيلية ليبية)، فتؤكد أنّ البعض قد يعبّر بصورة غير مباشرة عن رغبته في اقتناء بعضٍ من لوحاتها مجّانا. (نجلاء) لا تتردّد في منح ذلك لبعض الأصدقاء المقرّبين أو الجهات الخيرية بكل حبّ؛ لكن هذا لم يمنعها من تكوين سوقها الخاص، منذ أكثر من عشر سنوات، وتفعل نجلاء ذلك:

“حبّاً في جعل اللوحة تدخل بيوت الليبيين كقطعة ضرورية لإشباع الروح، بدلًا من أسلوب النزعة الاستهلاكية”

وحين سألتها عن سبب نظرة المجتمع للفن كهواية ينبغي أن تُقدّم مجانا، تجيب نجلاء:

“لدينا أزمة ثقافية متراكمة عشعشت في ثقافة مجتمع منعزل مقيّد بتقاليد متوارثة. وبعد طوفان العنف والقتل، من الطبيعي أن ينسى الناس ما هو دور الفنون كوسيلة ممكنة لتغيير الرؤية المشوّشة، تعاملنا مع الفن كأنّه غير واقعي وحمولة زائدة في عقولنا، الحلقة مفرغة وعلينا منح فرصة للجيل الجديد لتغيير صورة الفنون؛ لأن الرصيد فارغ للأسف!

الناس في بلادنا عامةً، لديهم حكم مسبق عن الفن بأنه هواية، وليس حاجة ضرورية للمعيشة، وما تزال المدارس حاضنة وزارعة لهذه الفكرة القديمة، التي تخرج أجيالًا لا يكتشفون ذواتهم ومواهبهم، فلا يسترجعون ما فقدوه من خيال و إبداع؛ الحقيقة أن الفنون تُعاش و لا تُدرّس.

هنا على المُحترف – ليس الهاوي – تجديد الوعي؛ فالإبداعُ عمل فرديّ واحتياج المجتمع له أمرٌ مُلحٌّ في لاوعي الفرد، خروجه من المألوف يجلب حياة جديدة من فكرة فنية بسيطة، إنها صحوة الانقلاب على الذات”

نظرة المجتمع للفنّ ضيّقة (أحلام البدري)

أيضًا أحلام البدري (مصوّرة فوتوغرافيّة) أكّدتْ أنّه كثيرًا ما طُلِبَ منها التصوير مجّانًا؛ ولكنّها لاتفعل ذلك إلا لصالح الجمعيات والمؤسسات الخيرية، أو لدعم  المشاريع الصغيرة. ترى (أحلام) أنّ:

“ثقافة المجتمع ونظرتهم للتصوير بصفته فنًّا مازالت ضيقة، تدور فى دائرة التوثيق لمناسبات اجتماعية فقط”

كما ترى أنّ السّبب في ذلك، هو: “قلة الاهتمام بنشر الفن كثقافة تعبر بها هذا العالم المفتوح، التصوير له مدارس وأكاديميات ومناهج دراسية. الصورة يمكن أن تعبُر بها الضفّة الأخرى من الكرة الأرضية! وهذا يعود لقِلّة الدعم والاهتمام من وزارتي الثقافة، فلا يوجد فى ليبيا براح مفتوح مخصص للفنون والمعارض بشكل دائم يعزّز ويرفع مستوى الذائقة البصرية، ويحتضن الجمال بمستوياته المختلفة”

عندنا، يفقد الفن احترامه إذا ما تحول لمهنة (مصطفى نجم)

مصطفى نجم (موسيقيٌّ وعازف عود) يرى بأن ثقافة المُجتمع اعتادت النظر بنمطيّة للفنّ باعتباره هواية؛ لهذا كثيرًا ما طُلب منه العزف مجّانا، وكان يفعل ذلك رغبة منه في مشاركة فنه مع الحضور، إلا أنه توقف حاليا عن هذا.

يقول مصطفى:

“إنّ النّاس يعتبرون الفنّ أمرًا محبّذًا إلّم يخرج عن نطاق الهواية، فإن خرج عنها وتحوّل إلى حرفة تُدرّ دخلا، فقدوا احترامهم للفنان وما يقدمه!”

الفن أولا

على عكس ما يتوقّعه معظمنا، فإنّنا في وقتنا العصيب هذا تحديدًا، أشد ما نكون بحاجة إلى كلّ ما يربطنا بإنسانيّتنا، والسمو بأرواحنا عن متطلباتنا المادية الحيوية، التي نشارك بها بقية المخلوقات الحية!

فلنأمل إذًا، أن تنظر وزارتا التعليم، ووزارتا الثقافة، إلى هذه الحاجة، وأن تركّز اهتماماتها في كلّ ما يتعلق بدعم الفنانين – الصغار قبل الكبار – مادّيًّا ومعنويًّا، بإتاحة المجال لتعلم شتى أنواع الفنون بحصص إجبارية، في كل المراحل التعليمية، يحقّ فيها للطالب اختيار شكل الفنّ الأقرب لوجدانه، ورعاية المعارض والمسابقات والندوات والتشجيع على حضورها، وقبل كل هذا، توفير المناخ الآمن والبيئة الخصبة.

ربّما يصبح الفنّ حينها حِرفة مرموقة، يحلم بها الصغار، كحلمهم بأن يُصبحوا أطبّاءً أو مهندسين، أو محاميّين أو معلّمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في هجاء القُرّاء!

 نتّفق عامّةً أن القارئ لا يُدعى قارئًا إلا بملازمته للكتب، بحثه عنها وحرصه على اقتنائها، هذا يفضي إلى علاقة تشبه الصداقة، تنشأ بين القارئ والكتاب، وكما قيل: خير جليس في الزمان كتابٌ. الكتاب ينفع القارئ ولا بُدّ، يقدّم له خدمة جليلة، حتى إن كان كتابًا تافهًا، فهو على الأقل يعلّم القارئ؛ معنى أن تكون الكتابة سطحيّةً أو مبتذلةً!  فهل في المقابل، ينفع القارئ كتابًا يقرأه؟ هذا ما لا يحدث بالضرورة، أحيانًا، عن عمدٍ أو بغير عمد، يؤذي القارئ كتابًا قرأه، ولن أتطرق هنا عن وصول هذه الأذيّة إلى مؤلف الكتاب نفسه، سنحسن الظنّ، ونتجنب الخوض في "شخصنة" العلاقة بين الكاتب والقارئ، تلك العلاقة التي يكون الكتاب فيها هو الوسيط. طرحتُ سؤالا عبر صفحتي على الفيسبوك: متى يصبح القارئ عدوًّا للكتاب؟ كانت معظم الإجابات تجيب عن سؤال آخر: كيف يصنع الكاتبُ أعداءً لكتبه؟ إذ صبّت في خانة وضع اللوم على الكاتب، ولكني كنت أعني العلاقة المباشرة بين القارئ والكتاب، سواء نجح الكاتب في إيصال فكرته أو لم ينجح، متى يضرّ القارئُ الكتابَ الذي قرأه؟ دعنا من كون بعض الكتب بالغة السطحية، أو بالغة السذاجة او التحيّز أو ...

الجوائز الأدبية: شرّ لا بُدّ منه

  نحن لا نكتب لأنفسنا، علينا أولا أن نقرّ بهذه الحقيقة قبل أن ننتقل للأخرى، ولو كنا نفعل، لاحتفظنا بما نكتبه في خزائننا السرية، أو ألقينا به في أول سلة مهملات، على اعتبارنا أفرغنا ما في جعبتنا ووصلنا لمرحلة الارتياح. الكتابة للذات هي بوحٌ، لا نسعى لأن يقرأه غيرنا، بل ربما لهذا السبب نخفيه، أو نحرقه. أما الكتابة للأدب، كتابة مسؤولة، حتى إن كنت تكتب للترفيه، ثمة شعور بالمسؤولية، بالرغبة المُلحّة في مشاركة أحلام يقظتك، وهلاوسك، وأفكارك التي تعتقد أنها قد تغيّر قليلا من فهمك للعالم، أو فهم العالم لك ولأمثالك. قبل النشر الورقي خضوعًا لهذه الرغبة ننشر على السوشال ميديا وفي المدونات ونُلحّ في نشر ما نكتبه، نُلحّ في عرضه على قراء محتملين، ونرتكب بعض الحماقات، فنعرض ما كتبناه على كُتّاب محترفين، نعرف جيدًا أنهم لن يجدوا وقتًا يجازفون به على مخطوطاتنا التي على الأرجح لن تكون قد تحصلت بعد على اعتراف إحدى دور النشر. والمجتمع الأدبي، أو فلنتوسع ولنقل المجتمع الثقافي (مع تحفظي)، لن يعترف بك ما لم تعترف بك دار نشر ذات سمعة لها شنة ورنة. ودار النشر لن تقبل مخطوطتك، لأنها لم تعجبهم، ولكنهم سيخبرونك...

رسالة السيدة "لا شيء"

  وعي المرأة بدورها في المجتمع، يخضع بصورة شبه دوريّة، لحركة تشبه المدّ والجزر. وبين ما ينبغي أن تكون عليه المرأة وبين ما لا ينبغي عليها أن تكونه، ذاك الصراع الذي تشكل في معظمه من أفكار هي في الغالب متطرفة، يُلاحظ أن السمة العامة تقترب في كل جيل نحو أحد الطرفين. في قراءة لكتاب "اللغز الأنثوي"، من تأليف بيتي فريدان، الصادر مطلع ستينيات القرن الماضي، أثار اهتمامي حالة عدم الرضا واليأس التي سيطرت على ربات البيوت في الولايات المتحدة، بعد رحلة من الصراع النسوي، ونيل النساء كثير من الحقوق التي طالبن بها في عقود سابقة. ما حدث أمر يشبه الردّة، ففي مقابل الحركة النسوية التي دعت النساء للانخراط في سوق العمل أسوة بالرجال، تكوّنت حالة جزر، قرّرتْ فيها النساء العودة للبيوت ورعاية الأطفال، فترة إعداد الكتاب كانت الفترة التي أعقبت هذا القرار الجماعي، عندما بدأت النساء -من جديد- تتذمّر من كونها لا تعرف نفسها. وكانت بيتي فريدان إحدى هؤلاء، وأربكها كونها لم تعرف نفسها: أهي ربة بيت أم كاتبة؟ وهل الكتابة عمل حقيقي؟ بعض النساء ربات بيوت برغباتها المحضة، وبعضهنّ مضطرات لتحريمات دينية أو عرفية ل...