التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ماذا إن حِيل بينه وبين رزقه؟

 

*نُشر على موقع "هنا ليبيا"، 2020

يعتقد أحدهم –نتيجة سوء فهم- بأنّه موعودٌ بمصدر دخلٍ جديد سيهبط عليه من السّماء، مع كلّ شهادة ميلاد جديدة تُضاف إلى كتيّب العائلة الخاصّ به، فيكثر من النّسل رغم فقره أو عدم أهليّته.

لاحقا، يستنجد طالبًا العون والمساعدة من الدولة أو من فاعلي الخير، فهو بلا راتب منذ 8 أشهر، ولديه 10 أطفال لا يجد لهم مكانًا يُؤويهم، او لقمة تسدّ جوعهم، فأين ذهب رزقهم؟

لا أحد يجرؤ على طرح السؤال، خوفًا من اتّهامه بالكفر، ولا أحد يجرؤ على نصحه بالتريّث واللجوء لعملية تنظيم النسل/الأسرة كي لا يُتّهم بضعف إيمانه بقسمة الأرزاق.

ليس التنظيم قطعا للنسل، ولا قتلا للأولاد

ما لا يدركه كثير منّا، أنه ثمّة فرق بين مصطلح “تنظيم النّسل” و”تحديد النّسل“.

تنظيم النّسل عمليّة فردية يقرر فيها الشريكان –باتفاقٍ ورضا- التوقّف عن الإنجاب؛ لأسباب شخصيّة؛ لدفع أضرار مُحققة دون تحقيق العقم الكامل.

وهو ليس بالأمر المُستجدّ أو المستورد، فهو موجودٌ لدى الأمم قديمًا، والعرب من بينهم (حتى قبل الإسلام واستمرّ بعده) إذْ وُجد ما دلّ على تطبيقه.

وقد سُمّي عند العرب “العزل” بدلًا من التنظيم كما هو شائع لدينا اليوم. ولم يُعتبر العزل/التنظيم عبر التاريخ وأدًا أو قتلا لسبب بسيط؛ وهو عدم حدوث تلقيح من الأساس، والجناية لا تكون إلا على كائن حيّ، لا على فكرة!

أما تحديد النسل فهو سياسة عامّة تتبنّاها الدولة أو ما في حكمها لمنع الحمل دون موافقة أصحاب الشأن، بل يُفرض عليهم قانونًا، وذلك بإلزامهم عددا معيّنا من الأطفال. وهو دعوة لقيتْ رواجًا في أوروبا إبان الثورة الصناعية، وتم تبنّيها من عدة دول، ويُنادى بها في دول أخرى حتى يومنا هذا.

وحديثنا في هذا المقال يندرج تحت التنظيم لا التحديد، لماذا كثير منّا يحتاجه؟ ومتى علينا اللجوء إليه؟

نعم، ثمة أطفال يموتون تحت الميزاب

قال بعض الحكماء عندنا قديمًا: “تعال تحت الميزاب وقول الحال حال الله“. وفي الثقافات الأخرى ما يرادف هذا المثل؛ لكنّها حكمة لا تجد آذانًا مُصغية، أو أفهامًا متفتحة.

فكثير من البشر يُصرّون على الوقوف بأطفالهم تحت الميزاب، في ليالي الشتاء، ظانّين أن صلواتهم وحدها ستكفي لإيقاف شلال المياه، أو لإحضار مظلّة تقيهم منه، أو ربما لتغيير موقع الميزاب عوضًا عن أن يغيروا هم مواقعهم!

بسبب هؤلاء؛ يموت ملايين الأطفال جوعًا، ويُعاني الملايين من التقزّم بسبب سوء تغذيتهم أو تغذية أمهاتهم أثناء حملهن بهم، مما يؤثر على صحتهم وبالتالي على تحصيلهم العلمي، حياتهم وعملهم، وبالتالي على ذريتهم التي ستعاني تباعًا من التقزم!

بسبب هؤلاء؛ يعمل ملايين الأطفال حول العالم في ظروف مأساوية لإعالة أُسرهم ويُحرمون من حقّهم في التعليم، أو يلتحق آخرون للطريق الأسهل والأقرب للموت؛ بانضمامهم للميليشيات المسلحة في الدول التي تعاني من نزاعات وحروب.

تموت ملايين النساء بسبب الولادات القريبة المتكررة، وسوء الأنظمة الصّحّية في التعامل مع الولادات، أو بسبب كونهنّ مراهقاتٍ، وهنّ في أفضل الأحوال يعانين من تدهور صحتهن وصحة مواليدهنّ.

بإمكان المهتمّ الاطّلاع عن قرب على كل هذا بالأرقام عبر التقارير السنوية لمنظمة اليونيسيف المُتاحة على شبكة الإنترنت. كلّ هذا الحرمان الذي يُعانيه الأطفال حول العالم، لا تتحمّل الدول والمنظمات الإنسانية أعباءه بقدر ما يتحمّلها الوالدان.

ولعلّ أوّل خطوة في طريق تحمّلهما المسؤولية هو وعيهم بحجمها، أما توفير هذا الوعي وتمهيده للأبوين فهو مسؤولية المجتمع، وهو ما يحاول هذا المقال إضافته.

اختبر أهليّتك قبل قرار الإنجاب

ولكن دعنا عزيزي القارئ نعرف: أيَصْلُح الإنجاب بنا جميعًا من الأساس أَم لا؟

هذا السؤال لمصلحة المولود لا لمصلحة الوالد، فإن كان الزواج في حد ذاته يخضع لشروط وضوابط؛ فما بالك بجلب إنسان جديد إلى هذا العالم؟ هل تأهّلك للزواج يعني ضمنيًّا تأهلك لإحضار طفل آخر؟ ما الفرق!؟

لفرق أن الجناية التي قد يرضاها البالغ في نفسه، ليس لأيّ طفل في العالم ذنب تحمّلها وقبولها.

فالطفل غير مسؤول مثلًا عن:

  1. انعدام الوعي والتعلّم: فما يحتاجه الطفل بعد ولادته ليس طعامًا وفراشًا وحسب، بل يحتاج إلى الوعي والإدراك التّام من أبويه بوسائل وأسباب المنع إن وُجدتْ، وإلى بيئة صحيّة نفسيًّا ومادّيًّا، ووَسَطٍ أُسري يوفّر له الأمن والطمأنينة، وبيئة تضمن له الحصول على حقّه الطبيعي في التعليم والعناية الطبية.
  2. عدم تحمّل المسؤولية: الأولى بالمُقبل على الزواج أن يكون ذا حِسٍّ عالٍ بالمسؤولية، متمتّعًا بكامل قواه العقلية، فما بالك بالمقبلين على الأبوة والأمومة. ليس من الصحيح أن يُزوّج الرّجل مثلًا بحجّة “بالك يعقل”.
  3. عدم القدرة على التربية: فليس كل من يملك القدرة على التناسل بقادر على التربية، التناسل فعل حيويّ، والعناية الأوّلية بالمولود ردّ فعل طبيعي للوالد والوالدة، أمّا فعل الأمومة أو الأبوّة الذي يستوجب التربية السليمة فهما ما يُفرّق بين الإنسان والحيوان.

متى يصبح التنظيم ضرورة؟

الأصل في الزواج تكوين أسرة لمن يجد في نفسه الأهليّة لذلك، والنسل واحد من أهم مقاصد الزواج، هذه طبيعة النفس البشرية، ومادام الأصل هو الإنجاب، فإن تنظيمه (منعه المؤقت) يكون بناءً على أسباب وظروف، إن زالت زال معها المنع،

من أهمّ هذه الأسباب:

  1. إذا كانت الأم مُرضعة.
  2. أن يكون في كثرة الأولاد إرهاق للأسرة وتشتيتها، ووقوع ربّها في المحظور مادّيًّا، كقبوله الرشوة أو السرقة لإعالتهم.
  3. الخشية من تدهور صحة الأم الجسديّة أو على حياتها، إذا عُرف بوجود خطر بالتجربة أو من طبيب.
  4. إن كانت الأم تعاني إرهاقًا نفسيًّا بسبب تعدد الأبناء، وعدم تقبّلها لحَبَلٍ جديد وطفل آخر، إذ لا يجوز إجبارها حتى ترضى وتستعيد عافيتها.
  5. الخشية من ألا يأخذ كل طفل حقه من الحنان والتربية ولهفة الاستقبال.
  6. وجود مرض مُعدٍ عند الزوجين، أحدهما أو كلاهما.

حين تنتهي حلول الأرض

خِتامًا، يجدر الذكر بأن منع الحمل لا يتعارض مع القَدَر، إذ قد يحصل الحمل رغم الموانع الطبية المعروفة، حينها يمكننا مواساة أنفسنا بأن رزقه (المادّيّ والمعنويّ) آتٍ معه لا محالة، واعتباره هديّة لا يمكننا رفضها.

منع الحمل أيضًا لا يتعارض مع الإيمان بقسمة الأرزاق؛ ولكن ليس ثمّة عصفورة تبيض قبل إعداد العُشّ بالصّفة التي تُناسب فراخها، ولم نسمع بها تنتظر رزقهم بينهم في العُشّ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في هجاء القُرّاء!

 نتّفق عامّةً أن القارئ لا يُدعى قارئًا إلا بملازمته للكتب، بحثه عنها وحرصه على اقتنائها، هذا يفضي إلى علاقة تشبه الصداقة، تنشأ بين القارئ والكتاب، وكما قيل: خير جليس في الزمان كتابٌ. الكتاب ينفع القارئ ولا بُدّ، يقدّم له خدمة جليلة، حتى إن كان كتابًا تافهًا، فهو على الأقل يعلّم القارئ؛ معنى أن تكون الكتابة سطحيّةً أو مبتذلةً!  فهل في المقابل، ينفع القارئ كتابًا يقرأه؟ هذا ما لا يحدث بالضرورة، أحيانًا، عن عمدٍ أو بغير عمد، يؤذي القارئ كتابًا قرأه، ولن أتطرق هنا عن وصول هذه الأذيّة إلى مؤلف الكتاب نفسه، سنحسن الظنّ، ونتجنب الخوض في "شخصنة" العلاقة بين الكاتب والقارئ، تلك العلاقة التي يكون الكتاب فيها هو الوسيط. طرحتُ سؤالا عبر صفحتي على الفيسبوك: متى يصبح القارئ عدوًّا للكتاب؟ كانت معظم الإجابات تجيب عن سؤال آخر: كيف يصنع الكاتبُ أعداءً لكتبه؟ إذ صبّت في خانة وضع اللوم على الكاتب، ولكني كنت أعني العلاقة المباشرة بين القارئ والكتاب، سواء نجح الكاتب في إيصال فكرته أو لم ينجح، متى يضرّ القارئُ الكتابَ الذي قرأه؟ دعنا من كون بعض الكتب بالغة السطحية، أو بالغة السذاجة او التحيّز أو ...

الجوائز الأدبية: شرّ لا بُدّ منه

  نحن لا نكتب لأنفسنا، علينا أولا أن نقرّ بهذه الحقيقة قبل أن ننتقل للأخرى، ولو كنا نفعل، لاحتفظنا بما نكتبه في خزائننا السرية، أو ألقينا به في أول سلة مهملات، على اعتبارنا أفرغنا ما في جعبتنا ووصلنا لمرحلة الارتياح. الكتابة للذات هي بوحٌ، لا نسعى لأن يقرأه غيرنا، بل ربما لهذا السبب نخفيه، أو نحرقه. أما الكتابة للأدب، كتابة مسؤولة، حتى إن كنت تكتب للترفيه، ثمة شعور بالمسؤولية، بالرغبة المُلحّة في مشاركة أحلام يقظتك، وهلاوسك، وأفكارك التي تعتقد أنها قد تغيّر قليلا من فهمك للعالم، أو فهم العالم لك ولأمثالك. قبل النشر الورقي خضوعًا لهذه الرغبة ننشر على السوشال ميديا وفي المدونات ونُلحّ في نشر ما نكتبه، نُلحّ في عرضه على قراء محتملين، ونرتكب بعض الحماقات، فنعرض ما كتبناه على كُتّاب محترفين، نعرف جيدًا أنهم لن يجدوا وقتًا يجازفون به على مخطوطاتنا التي على الأرجح لن تكون قد تحصلت بعد على اعتراف إحدى دور النشر. والمجتمع الأدبي، أو فلنتوسع ولنقل المجتمع الثقافي (مع تحفظي)، لن يعترف بك ما لم تعترف بك دار نشر ذات سمعة لها شنة ورنة. ودار النشر لن تقبل مخطوطتك، لأنها لم تعجبهم، ولكنهم سيخبرونك...

رسالة السيدة "لا شيء"

  وعي المرأة بدورها في المجتمع، يخضع بصورة شبه دوريّة، لحركة تشبه المدّ والجزر. وبين ما ينبغي أن تكون عليه المرأة وبين ما لا ينبغي عليها أن تكونه، ذاك الصراع الذي تشكل في معظمه من أفكار هي في الغالب متطرفة، يُلاحظ أن السمة العامة تقترب في كل جيل نحو أحد الطرفين. في قراءة لكتاب "اللغز الأنثوي"، من تأليف بيتي فريدان، الصادر مطلع ستينيات القرن الماضي، أثار اهتمامي حالة عدم الرضا واليأس التي سيطرت على ربات البيوت في الولايات المتحدة، بعد رحلة من الصراع النسوي، ونيل النساء كثير من الحقوق التي طالبن بها في عقود سابقة. ما حدث أمر يشبه الردّة، ففي مقابل الحركة النسوية التي دعت النساء للانخراط في سوق العمل أسوة بالرجال، تكوّنت حالة جزر، قرّرتْ فيها النساء العودة للبيوت ورعاية الأطفال، فترة إعداد الكتاب كانت الفترة التي أعقبت هذا القرار الجماعي، عندما بدأت النساء -من جديد- تتذمّر من كونها لا تعرف نفسها. وكانت بيتي فريدان إحدى هؤلاء، وأربكها كونها لم تعرف نفسها: أهي ربة بيت أم كاتبة؟ وهل الكتابة عمل حقيقي؟ بعض النساء ربات بيوت برغباتها المحضة، وبعضهنّ مضطرات لتحريمات دينية أو عرفية ل...