التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في هجاء السيو

 


بعد ثلاث سنوات، يمكنني قولها بثقة، فالكتابة لمحركات البحث SEO، تشبه العاهرات؛ خاضعة لمتطلبات السوق، يهمها أن تكون مفرداتها ظاهرة للعيان، لكل زبون محتمل، وكلّما استعرضتْ محسّناتها أكثر، زاد الإقبال عليها، بغضّ النظر عن جمال تكوينها... كتابة تقتل شرف الجملة، وتعزّز الركاكة والابتذال.

وإذا ما جرّبها الكاتب مرّة، تلوّث الحبر في شرايينه إلى الأبد. وبات من العسير عليه أن يعود إلى كتابته، إلى لغته الخاصّة وأسلوبه الذي يميّزه.


هذه كانت تجربتي، وأنا أستغرب كيف يحافظ بعض الكُتّاب على أسلوبهم الخاص في نصوصهم الجادّة ومشاريعهم الشخصية، دون أن يكفّوا عن ارتياد دور البغاء، أعني دون ان يهجروا الكتابة في مواقع تشترط نصوصًا مكتوبة خصيصًا للـseo.


وكأنّ الرأسمالية لم تكتفي بتسليع كلّ المواد والقيم، فهيمنتْ على اللغة أيضًا، شوّهت حضورها بما يرضي محركات البحث، وأصحاب حسابات العُملة الصعبة، الذين يصطادون زبائنهم عبر فضاء الإنترنت الواسع، بعبارات ضحلة، ولغة رخيصة.

كنت قد قررتُ منذ عامين وعن جهل تامّ، أن أستثمر مهارتي في الكتابة لصالح أفراد أو مؤسسات، فعملتُ في "كتابة المحتوى".. كتبتُ  مقالات ركيكة (أكثر بؤسًا من هذا المقال)، نالت استحسان محركات البحث! 

كتبتُ أيضًا إعلانات ظننتها طريفة، أثنى عليها عملائي. كتبتُ سكريبتات يوتيوب جيدة، لعميل رائع (مساه الله بالخير)، كان سعيدًا بها، ولكني لم أكن كذلك. 

وحين أردتُ العودة إلى قصصي ورواياتي عجزت!


كأنّ ثمّة سوسة نخرت عظامي فأقعدتني. واليوم، حتى بعد 3 أعوام من اعتزالي هذا النوع من "صناعة المحتوى"، مازلتُ أجد صعوبات جمّة في الوقوف مجدّدًا على قدميْ لغتي. كطفل بدأ يتعلّم المشي من جديد، وها أنا أحبو.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في هجاء القُرّاء!

 نتّفق عامّةً أن القارئ لا يُدعى قارئًا إلا بملازمته للكتب، بحثه عنها وحرصه على اقتنائها، هذا يفضي إلى علاقة تشبه الصداقة، تنشأ بين القارئ والكتاب، وكما قيل: خير جليس في الزمان كتابٌ. الكتاب ينفع القارئ ولا بُدّ، يقدّم له خدمة جليلة، حتى إن كان كتابًا تافهًا، فهو على الأقل يعلّم القارئ؛ معنى أن تكون الكتابة سطحيّةً أو مبتذلةً!  فهل في المقابل، ينفع القارئ كتابًا يقرأه؟ هذا ما لا يحدث بالضرورة، أحيانًا، عن عمدٍ أو بغير عمد، يؤذي القارئ كتابًا قرأه، ولن أتطرق هنا عن وصول هذه الأذيّة إلى مؤلف الكتاب نفسه، سنحسن الظنّ، ونتجنب الخوض في "شخصنة" العلاقة بين الكاتب والقارئ، تلك العلاقة التي يكون الكتاب فيها هو الوسيط. طرحتُ سؤالا عبر صفحتي على الفيسبوك: متى يصبح القارئ عدوًّا للكتاب؟ كانت معظم الإجابات تجيب عن سؤال آخر: كيف يصنع الكاتبُ أعداءً لكتبه؟ إذ صبّت في خانة وضع اللوم على الكاتب، ولكني كنت أعني العلاقة المباشرة بين القارئ والكتاب، سواء نجح الكاتب في إيصال فكرته أو لم ينجح، متى يضرّ القارئُ الكتابَ الذي قرأه؟ دعنا من كون بعض الكتب بالغة السطحية، أو بالغة السذاجة او التحيّز أو ...

الجوائز الأدبية: شرّ لا بُدّ منه

  نحن لا نكتب لأنفسنا، علينا أولا أن نقرّ بهذه الحقيقة قبل أن ننتقل للأخرى، ولو كنا نفعل، لاحتفظنا بما نكتبه في خزائننا السرية، أو ألقينا به في أول سلة مهملات، على اعتبارنا أفرغنا ما في جعبتنا ووصلنا لمرحلة الارتياح. الكتابة للذات هي بوحٌ، لا نسعى لأن يقرأه غيرنا، بل ربما لهذا السبب نخفيه، أو نحرقه. أما الكتابة للأدب، كتابة مسؤولة، حتى إن كنت تكتب للترفيه، ثمة شعور بالمسؤولية، بالرغبة المُلحّة في مشاركة أحلام يقظتك، وهلاوسك، وأفكارك التي تعتقد أنها قد تغيّر قليلا من فهمك للعالم، أو فهم العالم لك ولأمثالك. قبل النشر الورقي خضوعًا لهذه الرغبة ننشر على السوشال ميديا وفي المدونات ونُلحّ في نشر ما نكتبه، نُلحّ في عرضه على قراء محتملين، ونرتكب بعض الحماقات، فنعرض ما كتبناه على كُتّاب محترفين، نعرف جيدًا أنهم لن يجدوا وقتًا يجازفون به على مخطوطاتنا التي على الأرجح لن تكون قد تحصلت بعد على اعتراف إحدى دور النشر. والمجتمع الأدبي، أو فلنتوسع ولنقل المجتمع الثقافي (مع تحفظي)، لن يعترف بك ما لم تعترف بك دار نشر ذات سمعة لها شنة ورنة. ودار النشر لن تقبل مخطوطتك، لأنها لم تعجبهم، ولكنهم سيخبرونك...

رسالة السيدة "لا شيء"

  وعي المرأة بدورها في المجتمع، يخضع بصورة شبه دوريّة، لحركة تشبه المدّ والجزر. وبين ما ينبغي أن تكون عليه المرأة وبين ما لا ينبغي عليها أن تكونه، ذاك الصراع الذي تشكل في معظمه من أفكار هي في الغالب متطرفة، يُلاحظ أن السمة العامة تقترب في كل جيل نحو أحد الطرفين. في قراءة لكتاب "اللغز الأنثوي"، من تأليف بيتي فريدان، الصادر مطلع ستينيات القرن الماضي، أثار اهتمامي حالة عدم الرضا واليأس التي سيطرت على ربات البيوت في الولايات المتحدة، بعد رحلة من الصراع النسوي، ونيل النساء كثير من الحقوق التي طالبن بها في عقود سابقة. ما حدث أمر يشبه الردّة، ففي مقابل الحركة النسوية التي دعت النساء للانخراط في سوق العمل أسوة بالرجال، تكوّنت حالة جزر، قرّرتْ فيها النساء العودة للبيوت ورعاية الأطفال، فترة إعداد الكتاب كانت الفترة التي أعقبت هذا القرار الجماعي، عندما بدأت النساء -من جديد- تتذمّر من كونها لا تعرف نفسها. وكانت بيتي فريدان إحدى هؤلاء، وأربكها كونها لم تعرف نفسها: أهي ربة بيت أم كاتبة؟ وهل الكتابة عمل حقيقي؟ بعض النساء ربات بيوت برغباتها المحضة، وبعضهنّ مضطرات لتحريمات دينية أو عرفية ل...